الأخبار الأخيرة
زوم
الأخبار الخمسة الأكثر قراءة

المخطوطات العربية في باكو...بروفيسورة عائدة قاسم تكتب - الجزء الأول

المخطوطات العربية في باكو...بروفيسورة عائدة قاسم تكتب         - الجزء الأول

  باكو من مدن العالم الموغلة في القدم، التي كان كل شارع من شوارعها و كل بناية من بناياتها يتكلم، و يخبرنا عن حوادث الماضي المثيرة و كوارثه المدهشة، و عن بلايا الشعب الآذري الذي عدت عليه العوادي، و عانى كثيراً خلال تاريخه الدامي، الشعب الذي ميزته التقاليد المجيدة القيمة، و الحضارة النبيلة السامية.

   ثمة بناية في شارع "الاستقلالية" شيدت على الأسلوب القديم (الكلاسيكي) تتميز بفرق كبير من البنايات المجاورة و الآثار المعامرية الأخرى، و لها أهمية بالغة لدراسة تاريخ الرقى المعنوي للشعب الأذربيجاني، هذه هي البناية الحالية لمعهد المخطوطات لأكاديمية العلوم لجمهورية آذربيجان.

   تجاورها بناية أخرى تنبهر النفوس و القلوب من رؤيتها، إذ تجمع بين الأناقة الرائعة و الفخامة السامية، تلك هي " البناية الإسماعيلية"، هكذا يسمى هذا النموزج المعمري الرائع الذي قد مضى أكسر من مئة عام على إنشائه، و هي تعد من المعلم الرئيسية للمدينة. بناها موسى نقييوف. صاحب المليارات في بداية القرن العشرين، و كان واحداً من ملوك النفط قبل العهد السوفييتي. و كان إخراج النفط و صناعته يتجمعان في يديه و في أيدي أصحاب رأس المال الآخرين أمثال: الحاج زين العابدين نقييوف، و الأخوين نُوبل اللذين أسسا فيما بعد الجائزة المعروفة، و غيرهم من أهل الثراء.

   كان موسى نقييوف إنساناً غنياً و في الوقت نفسه إنسانأ شقيأ جداً، إذ مات ابنه إسماعيل في ربعان شبابه من علة السل، و أخذ الاب المحزون في إنشاء بناية فخعة لتخليد اسم ابنه الراحل، و سمعاها " الإسماعيلية ".

    و فيما بعد في أثناء الحكم البلشفي الذي صادر جميع أملاك موسى نقييوف أصبحت    الإسماعيلية مكاناً لصيانة المجطوطات القديمة التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل على مرّ السنوات و العصور، و كادت تُمحق محقاً نهائياً على أيدي الثوريين ا الذين شنوا حرياً عنيدة ضد التراث و الحضارة القديمين.

   هكذ أصبحت هاتان البنايتان شاهدتي العيان الحيويتين على تطور آذربيجان الثقافي.

   و بعد حصول الشيويين على الحكم في آذربيجان، سرعان ما أصبحت البناية المجاورة للبناية الإسماعيلية مكاناً جمعت فيه مخطوطات أكاديمية العلوم.

    قبل أن أتحدث عن المخطوطات القديمة إقتناء أبناء الأمة البررة لها و حفظها و صيانتها أتنول بعض مراحل تاريخ آذربيجان، و على وجه التحديد تاريخها في مستهل القرن العشرين، هذه الحقبة المظلمة التي أصبح الشعب الآذري فيها مهدداً بفقدان هويته و تقاليده الثقافية القديمة.

 

                                                   الرحلة إلى التاريخ                

    شهدت بدايات القرن العشرين تفتح الوعي القومي، و تبلوره لدى الشعوب المسلمة فيما وراء القوقاز و آسيا الوسطى نتيجة حصول هذه الشعوب، و لو لمدة قصيرة، على حريتها و استقلالها بعد انهيار النظام القيصري في فبراير/شباط عام  1917 م، و هو الذي بعث موجة عارمة من الحركات التحررية القومية التي تضجت في خضعّها أحزاب السياسية المختلفة بشتى الأهداف و المبادئ و الأفكار، و قدمت أغلبيتها شعارات الحرية، و تقرير الشعوب لمصيرها. منها حزب المساواة في آذربيجان الذي كان أكثر نشاطاً بين الاحزاب المتعددة، و كذلك كثر نظام أصحاب الفكر البلشفي في الآراضي المنسلخة عن القيصرية و ازداد نشاطهم، و استطاعوا بشعاراتهم الخادعة التي كانت تستر أفكارهم العدوانية و مبادنهم الرجعية لفط أنظار الكادحين الذيم عانوا كثيراً من ظلم القصير، و رأوا بصيصاً من الأمل في أفكار شيوعيين و ترّهات الأمل هذه دفعت الكادحين في روسيا إلى تأييد الحزب البلشفي في تضاله لأجل الحكم و السطوة الذين أحرزها في 25 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1918 م، و لكن على عكس ما كانو يصرونه للناس من آمال و أحلام حلوة ما كاد يستقر سلطان الشيوعيين على روسيا حتى استمروا قي سياسة القيصر الاستعمارية، و ما تركوا أي وسيلة لإعادة الحكم في المستعمرات السابقة، بما فيها في البلدان المسلمة مثل آذربيجان و وسطى آسيا و قد اتّكؤوا في مشروعاهم الخبيئة هذه على القوي المحلية التي مالت إلي الشيوعية التي- يا للأسف – كانت تضحًى أحياناً بالمصالح القومية من أجل المصالح السياسة الحربية.

   أصبحت هذه السنوات سنوات المكايد القبيحة ضد القوي الديموقراطية القومية و ضد الشعب الآذري عامة، التي دبّرها الشيوعيون الروس و اتباعهم و أذنابهم من الدشنقيين الأرمن، و هؤلاء الآخرون قد استهروا انذاك يعمالهم الإرهابية التي كانت تمت بصلة عضوية حية إلى المشروعات الشيوعيين الروس بقيادة لينين، المشروعات الشديدة القاسية الهادفة إلى طمس الذاكرة و محو الهوية، و غسل جميع ما يربط الشعوب المسلمة بمضابها المجيد.

    و كان زعيم الإرهابيين سنالين الذي كان الساعد الأيمن للبنين فيما وراء القوقاز و الذي برع في قتل آلاف المسلمين و ابادتهم بالجملة و نصبت المشائق في شاماخي و باكو و قتل عشرات الآلاف من الناس و بينهم الأطفال و الشيوخ، و النساء، تقلوا بأقسى طرائق الوحشية، و كثيرا ما أحرقوا في المساجد- ملجنهم الأخير هذا، و كان الغرض من هذه النكالات القاسية هو تخويف الشعب الآذري الذي قد بدأ يخطو في طريق الحرية خطوات حاسمة متينة معتمدا على البلدان المسلمة و لا سيما على تركيا الشقيقة التي اندفعت لنجدة مسلمي آذربيجان، و كافح الأتراك و ألآذريون كتفاً إلى كتف في التضال ضد الآرهابيين الروس و الأرمن.

    سرعان ما أثمر هذا التضال ثمراته، إذ أقيمت في آذربيجان في مايو/أيار عام 1918 م حكومت مستقلة  بقيادة زعيم حزب المساواة محمد أمين رسولزاده و أطلق على هذه على الحكومة اسم "جمهورية آذربيجان الديموقراطية".

    و اندهش الحكم البلشفي في روسيا من انتصار القوي الديمقراطية في آذربيجان، و بذل قصارى الجهود لقمع الحكومة الديمقراطية فيها، و انفق البلاشفة و أذنابهم من الأرمن ضد آذربيجان من جديد إلى استعمار روسيا استؤنفت النكالات و الاضطهادات ضد السكان الآمنين، و كل هذا لإعادة آذربيجان من جديد إلى استعمار روسيا، و أخذت تكثف الضبابات السوداء على سماء آذربيجان و تحيك المؤامرات و الدسائس ضد الشعب الآذري المسلم، و انتهى الأمر بهجوم الشيوعيين الروس بقيادة الجيش الاحمر الحادي عشر على باكو، الذي قضى فيها الحكومة الديمقراطية قضاء مبرماً هكذا خابت الأمل، و أخمدت رغبات الشعب الآذري الظمآن إلى الحرية و الاستقلال. و أصبحت آذربيجان من جديد تحت وطأة عدوها اللدود.

    ما عانت آذربيجان بكونها دولة مستعمرة باستنزاف ثرواتها فحسب، بل تألمت و تأذت من اجتياح مثقفيها نتيجة عمليات النكال التى مارسها الشيوعيين.

    المستعمر الروسي الذي كان ينطلق في هذه المرة من منطلق شعارات الاشتراكية و الشيوعية. و أهرقت في شوارع باكو دماء الأبرار و شهدت البنايات الجامدة على همجية البلاشفة الروس و وحشيتهم التي لا مثيل لهما.

    و قامت هذه السلطة الشيطانية بأولى خطواتها بالاضطهاد المعنوي ضد الشعب الآذري، و بالدعايات الشيوعية الهادفة إلى تكوين مجتمع منعزل عن جميع العالم و إلى ابتعاد الناس عن حذورهم الأصلية، و إلى غسل ذاكراتهم، و إلى نسيانهم هويتهم و قيمهم المعنوية القديمة.

    و خلال 70 سنة استطاعت مكنات الدعاية الشيوعية القوية التى كانت دائرتها واسعة تشمل جميع طبقات الناس. و يمكن القول: إن هذه الدعايات الملفقة قد أحرزت بعض "النجاحات" إذ فرضت على الناس بعض الأفكار الباطلة و ليس من باب المصادفة أن أعدى أعداء الشعب أمثال لينين و ستالين و غيرهما، أصبح "صديقاً مخلصاً" و "منقذاً حقيقياً" للأمة، نصبت لهم تماثيل في أبرز شوارع المدن آذربيجان ميادينها، و تسمت الجامعات و المدارس و المستشفيات و المؤسسات الأخرى بأسمائهم، و أثنى عليهم في الأشعار و الروايات، و لكن التاريخ لا ينسى قديماً و جديداً و لا تطمس الذاكرة الدموية، و أخفقت هذه الدعايات الكاذبة الخداعة بأسرها في لمحة واحدة عقب انحطاط الإمبراطورية السوفييتية، و أصبحت هذه التماثيل التي نصبت في الشوارع و الميادين الأعوبة يلهو بها الأطفال في الشوارع، و تحطمت و تهدمت بأيدي الشعب الذي تحرر مرة أخرى من قيود العبودية.

 

                                                   سياسة ذات الوجهين                

    ما إن استقر حكم الشيوعيين قي روسيا حتى أقاموا عدة ندوات دعائية لكي يستروا الوجه القبيح لحكمهم الرجعي و مرسوماتهم المسماة "تقرير الشعوب مصيرها" و "حرية المعتقدات" التي كانت مراءاة و لم تدم مدة طويلة حتى بدأت النكالات و الاضتهادات الأكثر قسوة ة شدة مما كانت عليه في الحقبة القيصرية.

    ما عانت آذربيجان بكونها دولة مستعمرة باستنزاف ثرواتها من النفط و الغاز و الحديد الخام و الذهب و الفضة، و كذالك ثمرات الزراعة من القطن و العنب فحسب، بل تألمت و تأذبت من اجتياح مثقفيها نتيجة عمليات النكال التى لم يكن لها مثيل بقسوتها و جورها. و بدأت هذه النكالات و الإرهابات المدهشة الهادفة إلى تغيير العقائد التي درجت عليها الأمة عصوراً بعد عصور في عهد ليين و أدام سياساته القاسية هذه خلفه ستالين الذي برع في هذا الأمر إلى درجة عالية حتى عُرفت السنوات التي دامت أكثر من 30 عاماً –بعهد النكالات الذي ساد فيه الظلام، و تحكم الظلم و القوة، و بالعهد الذي قُمعت فيه الآمال العالية، و اقتلعت من جزورها الأفكار النبيلة و اجتيحت الطبقة الراقية في المجتمع من المثقفين و الشعراء و الأدباء و رجالات الدين، و كانت تتكئ سياساة هذا النظام في التعاون و التعامل مع المثقفين على التخويف و الترهيب و الإبادة و النفي. فمنهم من أعدم أوزُج في غياهب السجن، و منهم من لقي حتفه هي منافي سيبيريا.

    لم يكتف النظام السوفييتي في سياسته تجاه الأحرار و الأبرار بقتلهم و نفيهم، بل شُوّه اسمهم و مرّغت سمعتهم بالأراجيف و الاتهامات الملفقة و وسموا بألقاب مثل: "عدو الشعب" و "خائن الوطن" هذه التسميات كانت أشدّ على المتهمين من القتل و النفي، إذ لم يعان منها هم أنفسهم فقط، بل أولادهم و أقاربهم بالحبس و النفي، و كذلك مؤلفاتهم التي تعارضت للتحريم و الحظر و الحرق، و لاقت مساجدهم و معابدهم و كنائسهم و ديورهم الويلات. إذ هم رجالات الدين من الأشياخ و الرهبان و الخوارنة و القسوس، بالتحريق و التدمير و التحطيم، تألمت من الإرهاب الأحمر جميع الشعوب: الروس، و البلروس، و الأكرين، و الأمم المسلمة في القوقاز و وسط آسيا. بيما فيها الشعب الآذربيجاني الذى عانى كثيراً من جور الشيوعيين و ظلمهم، و اتهم أبرز أبنائه بشتى الاتهامات، منهم حسين جاود، و أحمد جواد، و ميكائل مُشْفِق، و علي رضى شامْجيزادَه، و عمر فائق نعمانزاده، و سليمان ممتاز، و يوسف وزير جَمَنْزَمنْلي الذين كانوا من الأصوات المدوية للأدب الآذري آنذاك و لهم إسهامات كبيرة في رقي الوعي و المعرفة و الثقافة الآذريّة، و كذلك في الحفاظ على تراثنا القديم و صيانته.

    ما دمنا بصدد الإضطهاد المعنوي في العهد البلشفي، فلابد لنا من ذكر أن البلاشفة كانوا يحتذون حذو ماركس الذي سمّى الدين "أفيوناً" للشعب و كان زعيمهم "لينين" يمتاز بكفره و إلحاده، و لكنهم لم يحاربوا المعتقدان و الإيمان في لداية حكمهم لكي ينالوا تأييد المؤمنين و دعمهم، بل وجهوا النداءات المنافقة المرائية أمثال إلى "الكادحين المسلمين لروسيا و الشرق"، و إلى "جميع مسلمي الشرق" و كانو قد التزموا حماية المسلمين و عنايتهم بمشكلاتهم المتعددة، و مع كل الأسف علين أن نشير إلى أنهم نسوا و عودهم، و عهودهم و حينما استقرت و تعززت سطوتهم على البلدان المسلمة نصب النظام البلشفي لرجالات الدين حرباً لا هوادة فيها، و زجَّ كثير منهم في غياهب السجون، و لقي بعضهم حتفه في منافي سيبيريا، و أعدم بعضهم الآخرون، و حُرمت قراءة الكتب المقدسة. و بذل البلاشفة قصارى جهودهم لطمس الذاكرة الدينية، و لقمع الأفكار النبيلة، و لإبادة الهويات، و لا نزع الناس من جذورهم و أموالهم. و من جراء مكايدهم و نكالاتهم التي كانت تخدم غاياتهم الباطلة احترقت الكتب القديمة و المخطوطات القيمة التي كانت تربط الشعوب بماضيها و تاريخها و معتقداتها. كذلك شهدت شوارع باكو- هذه المدينة المسلمة في القوقاز المحارق المتعددة للكتب و المخطوطات القيمة.

    و أخدع خطوة تلت هذه الخطوات الشيطانية كانت تبديل الحروف العربية بالحروف اللاتينية في البلدان المسلمة للاتحاد السوفييتي، و تبديل الحروف مرة أخرى من اللاتينية إلى الروسية، هكذا خلال فترة قصيرة غيرت الحروف مرتين، و كانت هذه الخطوة الحيليّة تعني إبادة التراث القديم و محوه و محقه من المخطوطات و المطبوعات القديمة للأجيال الناشئة التي ما استطاعت قراءتها، و كل هذه المؤامرات لإقامة مجتمع منعزل عن جميع العالم و منطو على الدعايات الباطلة الكاذبة.

    إننا لا نعبد عن الحقيقة إذا زعمنا أنه في مثل هذه الحقبة المدهشة حقاً كانت كل خطوة في سبيل تأسيس رصيد المخطوطات و جمعنا حفظها و صيانتها و المحافظة على التراث القديم بسالةً لا مثيل لها.

                                            تأسيس رصيد المخطوطات 

    إن الشعب الآذري الذي هداه الله التعالى إلى سواء السبيل، و أنار طريقه بنور الإسلام منذ خمسينيات القرن السابع الميلادي لم يبق بمعزل عن موجة الحضارة الإسلامية، بل أسهم إسهاماً ملموساً في نموها و رقيها. يكفينا أن نذكر ما قاله ابن قتيبة لكي نفهم دور الآذريين في إرساء أسس الثقافة العربية الإسلامية "ليس بالمدينة شاعر من المؤالي إلا و أصله من آذربيجان".

    كان ابناء آذربيجان يتلقون العلوم على أيدي العلماء العرب و يتقنون العربية، و يعبرون بها عن أفكارهم و أحاسيسهم و يبرعون في أخذ العلم و الثقافة من العلماء، هكذا شأن خطيب التبريزي الذي تعلم مخالف من العلوم عند ابي العلأء المعري، و فيما بعد أصبح إماماً من أئمة العلم و الأدب في عصره، و من جراء هذا التخالط الثقافي صار العلماء و الأدباء و الفلاسفة الآذرييون أمثال: الخطيب التبريزي، و نظامي، و فضولي، و نسيمي و عين القضاة الهمذان، و شهاب الدين سهروردي، و عمر سهروردي، و عباس قولي آغا باكيخانوف، و غيرهم من أبرز ممثلي الثقافة الإسلامية، و لهم قسطهم الوافر في إزدهارها.

    و مدن أذربيجان أمثال: باكو، و شامخي، و كنجة، و بردعة، و تبريز، و ماراغة، كانت تعد من مراكز العلم و الحضارة بمكتباتها و مدارسها حيث تحفظ النماذج القيمة من الكتب المخطوطة من مؤلفات كبار العلماء و الأدباء و الشعراء المسلمين، و كذلك بيوت الأعيان كانت حافلة بها فهم يجلبونها من البلدان البعيدة من أثناء زيارتهم لها بسبب الحج أو التجارة أو المقاصد الأخرى.

    و سرعان ما بدأ كتبة الآذريون أنفسهم يتبارون في نسخ المؤلفات القيمة. هكذا أصبحت خزائن الكتب حافلة بروائع الأنيقة للمخطوطات القديمة.

    و قد أصبح هذا التراث القديم في خطر كبير عندما استولى البلاشفة على الحكم في آذربيجان، و أخذوا في طمس ذاكرة الشعب و إبعاده عن أصوله الدينية و تراثه الثقافي، و نصبت المحارق للكتب القديمة، و أبيدت المخطوطات القيمة، و هذا ما أدّى إلى أن المثقفين الآذريين بدؤوا يقلقون على مصير التراث القديم، و بذلوا الجهود لحفظه و صيانته و في هذا السبيل الشاق تحققت بعض الأعمال المفيدة بفضل أبناء الشعب الآذريّ-أرباب المناصب في النظام الشيوعي  الذين استفدوا من وظيفتهم فحاولوا أن يدبروا الأعمال لنفع الوطن و بفضلهم عُقد في سبتمبر/ أيلول 1924 م في باكو مؤتمر العلماء الدارسين أحوال البلد و تاريخه، و قرر هذا المؤتمر جمع المخطوطات و المطبوعات القديمة و حفظها في مركز واحد للحيلولة دون إباداتها النهائية و ابتداء من هذا الوقت بدأ جمع المخطوطوات و حفظها في رصيد المخطوطات، و أزداد عددها يوماً بعد آخر، و كانت تشكل نواة هذه الذخيرة المجموعات الشخصية لكبار العلماء و الأدباء أمثال: عباس قولي آغا باكيخانوف و مير محسن نوّاب، و ميرزا فتح علي أخوندوف، و حسين أفندي غائبوف، و مهمان ميرزا و غيرهم. و جُلبت إلى هذه الخزانة المخطوطات و المطبوعات القديمة، و بعض صور المخطوطات القيمة، و الوثائق التارخية من مختلف المكتبات، و مؤسسات العلم و الحضارة، و على مر الأعوام و السنين أصبح جمع المخطوطات اكثر نشاطاً و ثمرة نتيجة الستجلاب الأهالي إلى هذا العمل النبيل، و استخدام قواها و جهودها لبلوغ هذه الغاية السامية، و تحقيق المآرب العالية الهادفة إلى صيانة هوة الشعب المعنوية، فبدأ الناس يقدّمون المخطوطات المحفوظة عندهم للخزانة إما مجاناً، و إما مقابل مكافأة رمزية، هكذا ازدادت المخطوطات يوماً بعد آخر عدداً. و احتوت المكتبة مؤلفات فحول العلماء و الشعراء و الأدباء للعالم الاسلامي، أمثال: ابن سيناء، و الطبري، و البيضاوي، و الطوسي، و المتنبي، و ابي العلاء المعري، و نظامي، و فضولي، و ابن خلدون، و جلال الدين الرومي، و ائمة العلم و الأدب الآخرين. طانت و لا تزال هذه المخطوطات تحفظ في خزانة بعناية مع إصلاحها، و تكميل ما سقط أو طمس من أوراقها حتى تخرج إلى عالم النور لكي يقف الشعب على تراثه القديم عن قريب.

    إن الرصيد الغني الحالي للمخطوطات القديمة هو برهان ساطع على قدرة الشعب على حفاظ على تراثه القديم. في سنة 1986 م قرر مجلس وزراء الاتحاد السوفييتي تشكيل معهد المخطوطات على أساس خزانته المخطوطات لأكاديمية العلوم لآذربيجان.

    و ينبغي لنا ألا ننسى أن خزانة المخطوطات ، و فيما بعد معهد المخطوطاتلم يشتهرا بصيانة المخطوطات القيمة فحسب، بل بحفظ تلك الكوكبة الوهّاجة من فحول العلماء و رجالات الدولة –حفاظ الأهداف السامية المتجهة إلى صفاء المعتقدات و علاء الغايات و التي نضجت و ترعرعت في حضنه. و ربما يعود الفضل في هذا الأمر أيضاً إلى المصادر القديمة الحافلة بالأفكار النبيلة و الغايات العالية.

    و منهم حميد آريسْلي الذي له فضل كبير في وضع بذور صيانة التراث القديم بتشكيل رصيد المخطوطات و إرساء دعائمه و منذ سنوات دراسته في معهد المعلمين ولع بالمخطوطات و المطبوعات و دراسة التراث القومي.

    يقال: إنه كان يجلب إلى هذا العمل النبيل طلاب معهد المعلمين، و كان يعطي بعض الجوائز لمن قدّم مخطوطاً قيماً للخزانة، و قد أعطى ساعة يده لأحد الطلاب و أشياءه القيمة الأخرى للآخرين التي كانت تحفز إلى بذل المزيد في هذا الشأن. كما أن اقتناء بعض الاشياء العائدة للأستاذ المحترم التي ستبقى تذكاراً عند من يقدم مخطوطات كانت حافظاً آخر للناس.

    و كان حميد آريسلي هذا المؤظف السوفييتي مرتبطاً ارتباطاً أوثق بدين الإسلام و موصولاً بهواجسه و مشاعره بثقافة الشرق، و كان ضليعاً في العربية، متبحراً في الآداب متمكناً في العلوم الإسلامية، إذ كان أبوه آخُنْد محمد تقي أرسزاده من الأشياخ البارزين في مستهل القرن العشرين و هنا لا يسعنا إلا أن نذكر أن حميد آرسلي أصبح فيما بعد من الرجالات البارزين في العالم الإسلامي، و انتخب عضواً فخرياً لاكاديمية العلوم في العراق و عضواً حقيقياً للمجمع الملكي في الأردن.

    و من العلماء المشاهير الذين ترعرعوا بين جدران رصيد المخطوطات ضياء الدين بنياتوف- الأكاديمي الراحل الذي كان من مترجمي كتابنا المقدس إلى اللغة الآذري، و كان اهتمامه بالمخطوطات العربية و بدراستها كبيراً جداً يكفينا أن نذكر أنه ترجم إلى الروسية المقالة العاشرة (أو ثلاثين) للزهراوي- هذا الزخرف القيم للطب الإسلامي في القرون الوسطى. بين هذه الكوكبة من العلماء جَهانكِير قهرمانوف، الدكتور الراحل الذي أسهم كذلك بقسط وافر في حقل المحطوطات و دراستها، و كان مشغوفاً بالمخطوطات و يبذل قصارى الجهود لصيانتها و نشرها و قد رأس مدة طويلة معهد المخطوطات، و بفضله ظهر إلى عالم النور المجلد الأول لسجل المخطوطات العربية.

    كذالك الراحل الدكتور أبو فضل علييوف كان يشتغل في المعهد السوفييتي في قسم المخطوطات العربية، و له دور كبير في ارتقاء الحركة التحرريو في آذربيجان. كان يوجه النظام السوفيتيي و كان منشقاً عنه، و يناضل لأجل حرية الشعب الآذري و خلاصه من قبضات النظام الرجعي، و لأجل التحطيم كل قيد يعوق الشعب الآذري من نمو المعنوي و عانى كثيراً في سبيل هذه الأهداف السامية حتى زج في غياهب السجن و فيما بعد أصبح زعيم الحركة التحررية في آذربيجان و أول رئيس لجمهورية آذربيجان بعد استقلالها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي و جهود هذا الانسان البارز لن تضيع هباءً، و لن تذهب سدى.

    إذا حاولنا أن تنحدث عن العلماء الذين ترعرعوا بين جدران رصيد المخطوطات فهم كثسرون و لا يسع لها المقال لذلك. و نقول: أن هذا المعبد العلمي يرأسه في الوقت الحاضر محمد عادولف الذي يبذل كل ما في وسعه لجمع المخطوطاط و حفظها و كذلك خروجها إلى عالم النور. إن هذا الإنسام المجتهد يمكن تسميته خادم هذا الحرم المقدس- معبد التراث و الثقافة، و كذلك لِكاماندار شريفوف – رئيس قسم المخطوطات العربية فضل كبير في صيانة النماذج القيمة من التراث العربي الاِسلامي القديم و دراسته، بفضله نُشر المجلد الثاني لسجل المخطوطات العربية، و هو يبذل المزيد لدراسة المحطوطات العربية لكي تعطى لها حياة جديدة بالترجمة و النشر.

فيديو

صور

  • الاحتلال الارميني يخترق الهدنة 96 مرة خلال اليوم
    الاحتلال الارميني يخترق الهدنة 96 مرة خلال اليوم...
  • توسع التعاون العسكرى بين اذربيجان وايران
    توسع التعاون العسكرى بين اذربيجان وايران...
+2
سعر الصرف
FOREX
/ 23 فبراير, 2018

USD
 
EUR
 
RR